يوميات ربيع 2009
-1-
منذ قليل كنت لا أرى الربيع
لا أرى الشمس
ليلة البارحة لم أرَ القمر ولا النجوم
حتى النساء الجميلات لم يدخلن المحل
أو ربما دخلن ولم أرهن
السماء في الغروب أيضا نسيتها
شعرت أنني وحدي في هذا الكون
بلا سمع ولا بصر ولاحاسة للشم
يا إلهي حتى الصورة
هل أحد أزاحها من قلبي
هل أنا مدفون في قبر
أم مرمي بين كثبان رمال
أم عماء كوني سادرٌ بي
أم أنني غير موجود أصلا .
الآن قطعتُ الطريق
فتحتُ علبة سجائري
ولعتُ سيجارة
شفطتُ منها
شفطتُ حتى آلمني رأسي
وعبأتُ دخانها كله في صدري
انقشعتْ كلُّ تلك الغشاوات
الخدرُ عن أحاسيسي
عادت الحياة تضج . .
ها هو الربيع
تلك هي السماء
ذاك هو الأخضر الغض على الأغصان
النساء الجميلات كعادتهن
منهن من اشترت واقيا شمسيا . .
قلبي ينبض من جديد بوجع المسمار الذي دُقّ فيه
الصورة من لحم ودم
تميس بين نبضي والشعور
تمضغ لبانا . .
سويداء قلبي لا ألم يمضغها
حتى رأسي الذي كان يقرعه الصداع
كجرس الأعياد
شعرت أن يداً
تلمسه مباركة ما فيه من قلق
لست أدري هل أصابع من الغيب
أم عطرها يفوح حول رأسي
كنور يبحث عن فراشة .
***
-2-
سأعتب عتابا مرّا على كل عضو في جسدي
بدلا من أعتب على الدنيا
فهي لا تحمل أحاسيس مرهفة
لتبكي أثناء العتاب
منذ أيام مرت بي رؤى لا أعرفها
لم آلفها من قبل
تنظر إلي بحزن يائسة :
_ أعطيتك ما يحلم به أي شاعر
ولكنك حين أردتني بحواسك
ولم تجدني
انصرفت عني وأنت تلعن حظك
وتبكي بمرارة ثكلى
ما الذي يجعلك تطلق الخيوط التي بيدك
في الزوبعة ؟
وتبحث عن خيوط موجودة في أياد تملكها .
وأنت تشتكي فراغ يدك من الخيوط التي أفلتّها
أليس من المجدي لك أن تبكي إذا غلبك البكاء
على خيوط كانت بيدك
بدلا من أن تبكي على ما تتوهمه خيوطا
على ما تتوهمه أياد تملك تلك الخيوط ؟ ؟
_ ( أجبت ) وأنا أمضغ عقب سيجارة في شفتيّ
ظننت أن العالم كله يبكي
إذا بكى شاعر
ولا ينام الليل إن سهرت عيناه .
***
-3-
مررتُ بعين ماء
تسيل من بين صخور جبل وعر
تسيل منسابة انسيابا فوضويا
على حواف الصخر نزولا
صخرة فصخرة الى شبه شُعبٍ
من الحجارة الصم
آخر مسارها كانت الشمس بحرارتها
وصراع بين الجفاف وبين البلل
خيوطُ بخار تصّاعد بحزنٍ
وآخرُ ما تبقّى من دخان سجائري في الفضاء .
****
-4-
ما الحب يا ألله
خيالٌ يمر بنوم ؟
أم النوم ذاته خيال عند من لا يعرف سوى الأرق ؟
. . . . . . . . .
مررت بعينيّ وقد ملّتا من كثرة ما أتعبتهما بالسهر
أو مما وعدتهما بأن النوم
قد يكون على بعد ساعة من الأرق
رأيتهما بلا أجفان تحدقان
ببياض يشبه ما أنا فيه
أين ذهب سوادهما
وما يحمله ذلك السواد في البؤبؤ
تلك الصور أحيانا أشعر كأنها
ليست من حياة يعيشها جسدي هذا
بل من ذاكرة أجساد لا أذكر ملامحها
إذن
عيناي الآن تستريحان مني بعيدتين
وأنا اقتربت منهما
في ظني أنهما ستنكراني
عندما شعرتا أنني على وشك البكاء
عادتا إلي قائلتين :
لا يليق بنا أن ندعك تبكي بدون عينين
رغم شكري لهما
من الصعب جدا
أن أصلهما بدمعاتي اللواتي جفت من حيرتي
أفكر هل ثمت حب بهذا الكون
أم أن الدموع أيضا كالحب محض خيال ؟.
***
-5-
اليوم قلت سأقوم بما يقوم به السحرة
حملت رأسي من بين أكتافي
وضعته على الطاولة أمامي
بعد أن أغلقتُ الأبواب وأرخيت الستائر
اصطنعتُ ليلا يشبه أعماقي
فككتُ طاسة رأسي
غرستُ أصابعي في تجويف المخ
أخرجته
وضعته أمامي على غلاف مجلد كبير ورثته عن جدي
صرت أفججه
أفرده قطعة قطعة
خلية خلية
حتى صار أمامي مبحثرا كحفنة رمل مبللة
أو ككبّة من خيطان حرير خرجتْ منها فراشتها
قبل أن يدركها صاحبها
أنا غير آبه بما يتقطع من تلك الشعيرات الدقيقة
ولا من لمعان زلال الماء المخّي
لستُ طبيبا يقوم بعمل جراحي
مجرد شاعر يكتب قصيدة بشعة
تلك الخلايا الملعونة
كانت تبص كأعين الوحوش في الظلام
ألمسها بأناملي فتنطفئ
أبعد أناملي عنها يعود بصيصها يسخر مني
كل ذلك العمل البشع الذي أقوم به
هدفه أن أجد امرأة أو نساء في ذاكرتي
لأسحبهن كما تسحب جميلة
زوائد شعر حواجبها أمام المرآة
لعل الملقط غير محكم
ما أن أمسك به شعرة طيف
أطبقه
أسحب . .
أنظر إليه
لا أجد بين شفرتيه أي شيء
عبثا ما أقوم به
يبدو أن ذاكرتي قد خلت من كل . . . .
أصبت بجنون الفشل
ضربت بقبضتي على مخّي المنفرط
هممت أن أفتح الأبواب والنوافذ
ليتيبس كما يتيبس الرمل
غير نادم على مخ يُخضع صاحبه
على ذاكرة تتآمر كامرأة خائنة على صاحبها
لنفسي قلت : هل أعيد مخّي المنفرط
إلى جمجمتي
أغلق طاسة رأسي
كما كانت
غير نادم على فعلي الجنوني
تذكرت أن ما كنت أبحث عنه
ليس في هذا الرأس التعيس
بل في مكان آخر
لتهنأ كل نساء سكن في ذاكرة المضغة اللحمية
لأنها اعتادت أن تنبض في الثانية كمّا من النبضات
موزعة بين مئات النساء
كل منهن فرضت نفسها كذكرى فحسب .
***
-6-
كأنه خيط دقيق لا يرى
وإبرة تسحبه
تنغرز في شعوري
لتخيط لي زهرة
نبتت عند بدء الربيع
في بصري
نمت كوردة النيلوفر
بتلاتها في عينيّ
ساقها نزل إلى أعماقي ليدق
جذورا تدوم كما يدوم
دفء في القلوب .
* * *
-7-
اليوم رأيتها كقطعة من خزف
اللون الزهري كماء نوفرة
يغطي وجهها وصفحات آنيتها الخزفية
هل هي خزف ؟ معاذ الله . .
إذا كانت كذلك فهي خزف إلهيّ غض
يشبه أية وردة مضمّخة بالماء .
ذهبتُ بخاطري إلى صباحها
وقلت هل طال نومها ؟
هل عطشت ألوان ورودها أثناء نومها الطويل ؟
أم أن نومها كان يستقبل الماء في الحلم
وتستقيه عروقُ غفوتها ؛
ينتشر في اللحم والنسوغ
حيث ذكرَ الخزافُ أن قطعة خزفية كهذه
لا تشوى على نار ، بل تبلل بماء قدسيّ
لتحمل صفاةً ثالوثية ؛
إذ يكون القول ( باسم الآب )
يفوح عطرٌ مخضَلٌّ إلهيّ
يشي بسر الأبوّة في صدرها
وإمّا يكون القول ( باسم الابن )
يذكر كيف وحامها به
وكيف صنَعَهَا فأحبَّها
وصار ابنا لها
فالخزّاف ليس أبا ، بل ابنا
لأم يسمّي ( باسمها ) .
* * *
-8-
..............................
أيها الصدر الحنون لقد بلغ بي الفطام مبلغا من الشقاء
لا يحتمله قلب بشر
فمتى تذيبني الى حجم فوف وردة
وتضعني على إحدى هالتيك
لأكون أُخَيّاً لواحدة منهما
وصنوا للأخرى
يرضعنا معا ( فم آخر للماء )
حين يكون ذلك غير بمستطاع
لتوقي الخياليّ .
* * *
-9-
وضعت حبلا من الأنوار الخافتة في غرفتي الكونية
بعد أن أطفأت الشموس والنجوم
وقلت سأراقصك
مددت يدي اليمنى ووضعتها فوق كتفك
ألامس بها سواد شعرك
ترقص الدماء خلال أصابعي
وضعت كفي اليسرى على خصرك الأيمن
ضامّا بها أسفل ظهرك
رحت أرفع قدما وأحط أخرى
أتمايل . . . موسيقاي نار جسدك التي تتراقص في قلبي
رقص شبحٍ أو جنّيّ من لهب
الموسيقى تصخب
أنا أشعر بأن قوتي الهائلة سرت إلى كفّيّ وإلى قدميّ
كفٌّ تجنّ بلمس حرير شعرك
وكفٌّ تكاد تخرج منها بقايا روحي على دوار خصرك
الأرض تحس بوقع قدميّ الراقصتين ....
في داخلي صوت مكبوت يصيح : ألله حي
وفي سمع وجداني جرس يصلصل كأجنحة ملاك
يحوم فوقي في غرفتي الكونية
وصوت آخر بالكاد أسمعه يتأوّه قائلا :
آه . . إن خصري يتلاشي . . .
شَعري كأسلاك كهربائية دقيقة
يحمل ( ماسا ) من أطراف أناملك
هذا ما أطفأ الأنوار الخافتة وأشعل النجوم والشمس
لأرى كفّي تلامس الهواء
والأخرى تلامس اللاشيء
فوقعت جاثيا على ركبي
كما لو أنني أركع أمام ربٍ لا وجود له .
* * *
-10-
إن آلامي لأعمق من آلام ( فرتر )
بيني وبين مبعث الشوق مسافة
لا تحسب بالزمان ولا بالمكان
المكان جد قريب
الزمان جد أقرب
المسافة التي يتشاءم بها العقل وتعجز عنها الإرادة
لا يستطيع عاقل تصورها إلا إذا كان عاشقا مثلي
حيث يوقد النار ويلقي بها نفسه
ويولول صائحا :
رباه أريد السلام
لا سلام
لا سلام لمن كانت ناره صنع يديه
وآهاته تزيدها ضراما
كيف يأتي السلام بنار تحترق بذاتها ؟
عيني ترى . . . لكنها عمياء
قلبي يموت . . . لكن بسرعة دقاته
روحي تبخّرتْ
كما تتبخر كأس خمر على شفتين جمرتين
سكرتُ . . سكرتُ
صرت أرى بعينيّ . .
ألا شيء في هذا الكون عاقل ؟
ألا كائنات تحمل في أعماقها . .
الزوجيةَ أو الندَّ ؟
ألا ترى أنني مليء بآلاف الأزواج
زوج لا يشبهني
زوج لا يحبني
زوج لا يسكن قلبي
زوج لا ينبت في ترابي
زوج فقط يمد يده بالسلام
إنه زوجي الأثير
إنه الذي تأخر
إنه الذي إن سبقته يسبقني
إن قعدت يبتعد عني
إن لحقت به مد يده قائلا :
إنها دورة الحياة
أنت في ثلثيها
وأنا في ثلثها
إمّا أن تقف حتى أبلغك
وإمّا أن تعود إلى ثُلُثي
فنجتمع زوجين
زوج عاد إلى ثلثه الأول
وزوج يسير إلى ثلثه
وكلانا يعرف خطورة أن يجتمع ثلثان اكتملا بثلثين
اكتمل منهما واحد
قلت : أما من زمن بلا هذه الأثلاث
نتعرّى فيه من وقع العصر بثلاثيته
حاضرا ماضيا مستقبلا
فأشار بيده إلى دائرة وقال
أتعلم ما تشبه هذه الهالة
قلت : لها أشباه كثر إلا أنني
أعرف في خيالي هالة
مركزها ما أعيش بذاكرتي . .
إدمان توق لصليب ثغورها الثلاثة .
* * *
-11-
أيها اللاشيء
أيها الخيال
أيها الوهم
أنت يا أدوات الجنون
ومقومات هذا الشعر الملعون
أليس حري بكم أن تتركوا هذا الشاعر الرجيم
ليرتاح قليلا فقط
كاد منذ قليل أن يخرج من عقله
من جلده
من هواء يحيط بجسده
يخرجَ في الشارع صائحا
افسحوا لي الطريق
إن في سمعي
صلصلة أجراس تدق باستمرار
إذن قودوني إلى باب الكنيسة .
افتحي أبوابك لي أيتها ( الراهبة )
ضع كفك على عنقي أيها ( المحترم )
فأنت سبب هذا الخنق المطبق على حنجرتي
وإلا فضع كفك الرحيمة على صدري
قدني إلى المنارة
أستطيع أن ألف ذراعيّ حولها
أضمها بشوق
حتى تختلف أضلاعها بين يدي
إن كان ضمّي لها سيزعزع بنيانها
فتتساقط على رأسي
لا بأس . . سأجعل من نبض قلبي جرسا لكم .
* * *
-12-
-12-
ألم
صراخ
فرح
* * *
نعش
أقدام
فوَّهَة
* * *
طريق
ضياع
بكاء
* * *
عين
أفق
عماء
* * *
حلم
يقظة
نسيان
* * *
حب
شوق
موت
* * *
عويل
حريق
حطب
* * *
شهوة
هاوية
خيبة
* * *
ضجر
جنون
عجز
* * *
سيجارة
فراق
وحدة
* * *
كفاني
أسمال تلك الكلمات البالية
كفاني كل ستر
لقد أثقلت جسدي
قلبي
روحي
كل هذه الخيم التي تمنع الشمس
من أن تصل إلى دمي
تمنع النجوم من أن تعفّر بأنوارها
نعومة واجهة أعماقي
كفاني
لتذهب إلى جهنم كل الأستار
إلى الهاوية . .
إلى الجحيم
إلى عالم الشياطين السفلي أو الفوقي
لا فرق
ليضمر الكون كله
ويصير كشتبانا أضعه بإصبعي
وأغرز الإبر في كل مسامة من مسامات جسدي
لأبعث برسالة خاصة من خلال الإبر
إلى كل حاسة من أحاسيسي
وأرشق ما تبقى من إبر في فمي وفي عيوني
وفي أي مكان آخر جلب عليّ مصائب سأملأ فاه بالإبر
حتى وإن كان ..............
لم يعد بوسعي أن أعيش بإحساس أصبع واحد في كشتبان
وإن رضي العالم أن يكون كشتبانا .
حين أغرز به أطراف الإبر
أشعر بآلام الإبر أكثر مما أشعر
بالأماكن التي التي غُرزت فيها
يا آلهة التقمّص ! ! . .
هل من إبرة واحدة تليق بمكمن روحي
أغرزها فيه
فتثبِّت روحي في جسدي
ويموتان معاًَ . . .
13-
الجحيم أن تعرفوني
أمّي رأتْ في نومها أنَّ الضياءَ يفورُ من تنّورها ، وأبي رأى أن السلالمَ اتّحادٌ بالصعودِ ، فأشعلا في ليلةٍ حمراءَ دفقَ الماء فيما بين صلبٍ والترائب .
هي ليلةٌ حمراء تشبهني قبيل تشكّلي جسداً من الفخّار ، تُشبهُ جسميَ الذرّيَّ حين النفْـسُ راودها سؤالٌ : ( من أنا ) وتجيبُهُ : يا غيبُ أنتَ الأنتَ لكنْ لا إلهَ سوى الأنا . وأحيطَ بي خيطاً من الذرّاتِ ممدوداً لتلك الليلة الحمراء ، يتَّسعُ الظلامُ ، تلقَّفتْني _ من شعورهما _ خليّةُ شهوةٍ ، سمّيتُ نفسي باسمها ، اتّسعَ الظلامُ وراح يبتلعُ الوحامَ بـ ( هاء ) إسمي ثمّ سوّاني ، فكان الشينُ محضَ ضلوعِهِ ، وشهيّتي الألِفُ الذي ضلّ السبيل ، الراءُ ريحُ غواية التفّاحِ ، ريحُ الطينِ ، رائحةُ العجينِ ، وما تضوّعَ من صدور المرسلات ، ومن مثلّثِ حوض حوّاءَ ، الخطى في الراءِ أبعدَ ، مثل دائرةٍ ومركزُها شعورٌ بالخدَر .
***
خدري . . انتميتُ لكلِّ أمٍّ بعد أمِّي ، والحصى ما زال يسألُ عَدَّهُ كم ليلة أطفأتُ بعد أبي . . وأمعنَ في السفَر .
***
-14-
حائط ذاكرتي
جاء الشِّعرُ مساءً . .
وأنا وحدي . .
حائطُ ذاكرتي مطليٌّ بالنسيان
لم يلمحْ غير مساميرٍ وغبارا وأماكن لإطارات
فقصائدُ خُلعتْ
أطيافٌ تحت رطوبة وهمي تتبلَّل
وتعذَّبتُ كثيرا من كل الصور المرسومة
في محض ملفّ . .
ويعاتبني الشِّعرُ بيأسٍ يشبه يأسي :
من كنتَ تخاطبُ ؟
أين حريقُك ؟
أين بكاؤك ؟
أين جنونُكَ إذ يُفترضُ العقلُ ؟
وأينَ تواطؤ صبركَ مع بعض الوقت ؟
وأينَ رحيلك في فُلْكِ خيالك في بحر الأسماء ؟
غرقتْ فلْكيَ والأسماءُ جميعاً لم تغرقْ
والفلكُ تحطَّمَ في لججِ المحتوم
هذا طيفُ ذراعٍ يتشبَّثُ في لوحٍ مكسور .
منذ طفولة إسمي أعرف
أن له أطيافا تتشبّثُ باليأس المحطوم
أسماءٌ ما خبرتْ أن تتبلَّلَ
ما خبرتْ أن تغرقَ
ما عرفت غير ضحالة ماء الموت
ما خبرتْ ظلَّ سراب في البيداء
يا إسميَ !
هل ترضى أن تجعلني (( بحّارَ اليابسةِ )) . . الصحراء ؟
احملْ يا شعرُ ! قصائدَ خاطبتُ الأسماءَ بها
وخلقتُ لها أجساماً من لهبٍ . . وقبستُ دخاناً
أعميتُ به شهوات الماء
ويعاتبني الشِّعرُ
لعلّي إنْ عاتبني أبكي
وأنا بعد خوائي أضحكُ
فكأنَّ شعوري مشفىً للأمراض النفسية
وفمي من يهربُ من أسلاكِ جنوني في الطرقات
دعني لا أرجع
لا أسجنُ ذاتي في سور الكلمات
حافية روحي في أعماقي
إذ تمشي في حائط ذاكرتي
تنتعلُ غباراً
ومساميراً كانت قبل الصدأِ الأعمى
تحمل صوراً للأهواء .
-15-
منذ ثلاث سنين أكابدُ في هذا ( الموقع )
( الخيمةُ ) تسودُّ نهارا وتضيءُ ببعض شواظٍ
تتوقّدُ بالجمرْ
أحيانا خمدتْ برمادٍ مبلولٍ بسذاجات ميتة الإحساس
فألوذ بباقي المنتديات
( بالأدبي العام ) . . وأمضي
( بقراءاتٍ ) أمضي
( بالأخبار ) . . وأمضي
( بالمكتبة ) وأمضي
( بنصوصٍ مفتوحه )
يتخبَّطُ فيها الكاتبُ ما بين الشخصيّ
وبين الأهواء . . الأرجوحه
وكما قالت إحداهنّ :
( زوابعُ " عالقةٌ " في الفنجان )
لا أكثر
لو كان هنالك قبرٌ كي أدفن اسمي
وجميعَ عذاباتي من خلَّبِ كلِّ الأشباح
أن أقرأ اسمي ممحوّا في الظلمات
ويناسبني أن تنقل كل مواضيعي لهنالك
وأكون زميلا للأموات
وإذا شاء الأحياء مرورا
ستكون التعليقاتُ مطمئنةً
وسأمعن فيها بسكوني في الرحمة والدعوات .
-16-
فوجئتُ أنَّ الريحَ ذاكرتي وتبكيني صفيرا كلّما افتتحوا دفاترها على رأسِ السنة .
فوجئتُ أنَّ الموتَ زرعني في أرض قفراء تحت الشمس ، نموت بجذع وحيد نحو السماء مددت غصونا ، أخرجت منها براعم ، عيونا ، تطلع في كل الاتجاهات ، كل ما حولي كان فراغا ، وأفقا من اللاشئ ، لا السماء قريبة نهارا ولا النجوم تألفني ليلا ، وهذا الفراغ كان ينظرإلي بضجر ، الأرض التي زرعني بها قطعة بور في أرض جرداء ، لاتحتوي إلا على تراب ، تغطيها الحصى والحجارة ، في هذا المكان الساكن حتى الأشباح لم تكن موجودة ، حتى الأرواح ليس لها طريق عليه ، إن نمت فليس لإن الليل استدعى النعاس ، وليس لإن النهار زاول القيلولة ، بل لإن الملل من تحديقي في الفراغ قد أتعب عيني ، فاسترختا جفنا على جفن كعادة النائمين ، وربما كان هذا لايعدو كونه هروبا من فراغ في البصر إلى فراغ في الأعماق ، وكثيرا ما كان يخطر ببالي كشجرة غريبة في مكان غريب ، مَنْ ذاك الذي اقترف زرعي في هذه الأرض المنفية عن المطر وعن الينابيع وعن الطلِّ أيضا ؟ .
ثم مع هذه القطيعة مع أود الحياة ، كيف استطعت أن أشبِّث جذوري في الأرض
وأن أفلع التراب وأنمو جذعا وحيدا ، وأن أملأ أغصاني براعمَ ، عيونا ، ترى هذا الفراغ ؟ .
وفكرتُ . . أن أتراجع من آخر ما وصلت إليه أغصاني طولا ، وبراعمي نظرا وأعود داخلا تدريجيا في ذاتي إلى جذعي ، ومن جذعي إلى جذوري إلى أصل البذرة وكان لي هذا إلا أن شعيرات جذوري لم تعد إلى أصل البذرة :
لإنها امتدت في تراب يحمل في ذاكرته شعور الماء .
* * *
-17-
هذا أوذاك الطفل أحب ونسي ، ونسي فأحب ، التقى بأنثى مرة واحدة ، والتقى بالحب مئات المرات ،
فاطمة اسم
ليلى اسم
سلوى اسم
ريم اسم
فكرية اسم
أحمد اسم
ووعاد اسم
نفيسة اسم
رشا اسم
منى اسم
عاد اسم
لبنى اسم
يسرى اسم
نهاد اسم
صولانج اسم
والانثى مئات في واحدة ، وأنا أمحو الأسماء وأتذكر أنثى واحدة لا غير
هكذا فكأني في إحصائي أملأ صفحاتي بالأسماء ، وأكتب عنوانا على الغلاف :
أحب ذاتي الأنثى ، فإذا شئتِ أن تتسمَّي فتسمَّي ذاتي .
* * *
-18-
عاتبني القمر قائلا :
ما صرت قمرا إلا لأنّي أحببت النجوم ، نجمة نجمة بمشاعر ليلية متقلبة
تشبه حالات ظهوري خلال أيام الشهر ، وأحبُّ حالاتي إلى نجمة تحبّني
فوق ما تحبني كل النجوم ، هي حالتي في المحاق .
* * *
-19-
دون أن أشعر دخل شهر أيار ، ليؤكد أنني ما زلت في الربيع
( الزبداني ) عروس تتمشط على حافة نهرها ، والجبال تمسك خصل الشعر لتظفره جدائل ، وترميه على كتفيها ، إن كنت لا أعيش الفصول في مشاعري ، فهذا الربيع لا يعني سوى جلد حرباء .
* * *
-20-
ماذا يمكن أن يقدم شاعر غير الكلمات ، بالكلمة ابتدأ الكون ، وبالكلمة عرف الله
وبالكلمة قلت أحبك ولكنك لا تجيدين القراءة .
* * *
-21-
خانتني الجرأة وربما خانني العمر ، ولكن الكلمة لا تخونني ، فإذا رأيتِـها على سطر أو في قصيدة ، فاهمليها لأنها ضلت طريقها .
* * *
-22-
أمس بعد أن أخافني الليل ، من أن أظل تائها وحيدا ،
سألته : أيها الليل ! كيف لشاعر أن يحب امرأة ؟
ولتصدّقه . . . فذكرني بالبكاء ،
إذن يا حبيبتي أنا أبكي كلما أكتب كلمة
فإن كنت تأخذين بكائي على محمل الجد
فقلبي يبكي وروحي تبكي وكلماتي تبكي
وإن كنت تعتبرين بكائي شعرا ، فهاتي أطراف أصابعك وامسحي الدموع
عن خديّ الكلمات .
* * *
-23-
هذيان ليلي في المستشفى
السيدة المحترمة ليلى الأحيدب
( اعترض الأستاذ على كتابتي السيدة المحترمة
قال لي أنت تنشئين رسائل وأنا أتحدث من القلب إلى القلب )
يشكرك يا ليلى على أنك مثلت الزملاء كلهم فكلفت بعيادته عنهم جميعا
لقد أحصى العداد مائة وعشرين زائرا مجهولا كأنهم زوار أجداث مقبرة
وواحد فقط كان أوضح من الشمس هو الزائر الكريم الذي حمل باقة كلمات
طيبة ووضعها بعد أن سجل في دفتر المكان آثار وجوده الذي لا يمحى .
ليلى لم تزر قبرا . . ليلى زارت عرس كلمات مليئة بالصخب ككل الأعراس
ليلى يشكرك كل التحيات ويحييك كل الشكر
ويقول لك أمّا قبل :
ما بين ألمه كان يمزح لم يترك من شرّه ممرضة دون غزل إن كانت جميلة ولا طبيبا أيضا ومن لا يتمتع بمسحة جمال ، كان يناله بعد أن يدير ظهره تلبيعة
وشتيمة لمدير المشفى على وضعه أناس يصلحون في دائرة دفن الموتى أكثر مما يصلحون في مشفى . .
لقد أملى علي ما أملاه وما كنت أتصور في حياتي أن أكتب إملاءات كهذه التي
تتجوهر فتصبح فصيحة كلغة الأصمعي ومن ثم تتدهور فتصبح كأغنية راغب علامة اليمنية ( سر حبي ) التي يقول فيها ( كل واحد مننا ماسك من السكة طرف ) فتصير تشبه يوميات كلب بلهجة أهل الضفة الغربية .
ما أنا إلا وسيط بين لسان يهذي وأزرار " كي بورد " أجيد الطباعة باللغتين دون أن يعني ذلك فهم ما أطبع بالفرنسي أو حتى فهم هذيان صاحبكم
هذا لا يعني (أني ما بفهم حاشايي ههههههههه)
بس اليوم كتبت له مغازلة لبرابيش السيرون من كيسها المليئ حتى رأس الإبرة المغروز في عرق ظاهر كفه .
اليوم أيضا كتبت له قصيدة ما فهمت أولها من آخرها كلامها عربي بس معناها
يمكن كردي .
اليوم كتبت له قصيدة بالعاميّة ولما قلت له (ما فهمت شي) قال لي إكتبي يا شطورة وصار يحكي وأنا أكتب وبعد ثلاث ساعات غفل ساعتين ولما صحا
سألني وين كنا وشو كنت أقول فقرأت له ما بلغ حوالي ثمان صفحات
ضحك من كل قلبه وقال لي : مجنونة كيف تكتيبن كل ما أقوله
قلت هذه أمانة
فقال كنت أشرح لك القصائد العامية حتى تفهمي ما رميت اليه وما عنيته
وما وما . . . قلت له لقد صارت قراءة صفحات ويمكن أن تنشرها
فقال يا مجنونة في أحد يكتب عن قصائده شرحا وقراءة ودرسا
قلت يا أستاذ نعم هو أنت
لقد كنت تحكي وأنا كنت أكتب وأنا أعرف أنك كنت تحكي لأكتب لك
ومع هذا والله رغم الشرح ما فهمت نصف الشعر
انا أول مرة أعرف شاعرا ومن حسسسسسسسسسسسسسسن حظي
عرفته : كثير شعره خفيف ويوصل أسرع من إبرة الدواء في السيرون
وضع أمانة عندي وهي أن لا سمح الله لا سمح الله ...................
وقتها أنشرها في هذا الموقع
وإن أطال الله في عمره وهذا ما سيكون لأنه متوسوس زيادة
فسأهدده بها إن لم يدفع لي بدل أتعاب حفظ السر أو الوصية
...............................................
وصله اتصال من الجزائر كلمه صديقاه شكري شرف الدين
وأحمد بو علام ال......
واتصلتْ سيدة من تونس اسمها يسرى وكذلك من أبو ظبي
الكاتبة عايدة نوباني التي اتصلت مثل رواية الحديث النبوي
روى فلان عن فلان عن فلان عن .... أنها قالت تتمنى له
الشفاء الـ مستعجل
وهو يشكر جميع من لم يتصل قائلا الذي لم يتصل حساس
لا يكلف على واحد تعبان أن يتجلّس في سريره ليرد
طبعا كل موضوع وجوده هنا في المشفى لا يعني أكثر من
تفاقم التهاب مزمن في جدار المعدة تطلّب تنظيرا وعلاجات
وراحة لبضعة أيام " وأنا أول مرة أعرف أن البضعة هي ما بين
الثلاثة والسبعة "
أخذ يحول كلماته إلى هذيان :
افتحي لي الصفحة كذا ، في المنتدى كذا ، اقرئي لي ما كتبت فلانة
أو فلان أو فلانة أو فلانة أو فلانة بيني وبينكم نسونجي حتى
في القراءة فهو جعلني أقرأ لكاتبات أضعاف ما قرأت له لكتاب
قريت للـ.... فقال هذه شق التوم أنا وكتابتها
قريت لـ.... قال مدرسة في علم السلوك
قريت وقريت وكل ما قريت كان يحكي كلمة
وسب الدين مرتين استغفر الله العظيم وقلت له يا أستاذ استهدِ
بالله أنت مريض
ولكنه قال لي أنا لا أسب الدين كفرا بل من شدة الإعجاب
وانا لا مواخذة اقرأ وما أدركت لا مما أعجب ولا لماذا سب الدين
هنا علا الهذيان علوا كبيرا . . .
صديقتي الغالية في الأول من نيسان مات صديقك الغالي شاهر
رجاء أرسلي له مسج عزاء بالموبايل قبل فوات الأوان
صديقي عبد السلام هل حصلت على الكنز لقد أرسلته لك
لوقيان السوري كنز حقيقي بأهمية خالدات الأدب الاغريقي
إن لم يكن أهم
لوقيان واحد يشبهني سخر من كل العظماء ومات منسيا أو ربما
أهملوه دفنوا ذكره ألفين وبضعا من السنين وها هم الشرفاء الذين
لا نعدمهم في الغرب قاموا ببعثه كأعظم رجل سوري في الأدب
لوقيان السوري لا يجب أن يُنشر في مصر
فلن يأخذ حقه
ولا تظن أن في سورية سيأخذ حقه كلا
انشره في اسرائيل فهناك من يستأهل إذا زوّره وسرقه
الهاتف يرن . . زوجته
يقول لها مشفى الجرجانية جيد والدفء ممتاز وهذه الأيقونة
تحيي الروح فاطمئني
أغلق الهاتف وكلمني
الحقيني بإبرة شِّعر
لم أفهم ما يعني وقلت له : أستاذ طبعا تمزح وما معنى إبرة شعر ؟
فقال يعني إبرة معنوية تعطى بالفم
فقلت ماذا تعني معنوية
فقال اقتربي
اقتربتُ . .
ضعي فمك على فمي وافقسي بوسة
ضحكت طبعا لأني لا أريد إزعاله فهو مريض وزعله يزيد الوجع حدة
ولكن قلت له ساؤجل هذا لبعد أن تشفى حتى ما تعديني
فقال ابعثيها على الهوا
وأرسل لي نموذجا كي أتعلم كيف تكون إبرة الشِّعر على الهوا
فأرسلتها له وها أنا أرسلها لمن حفّزته وجعلته يهذي لساعات .
(كتبت بواسطة رشا)
-24-
يا نسيمَ الريح ِ قولي للرشـا
لم يزدني الو ِرْدُ إلا عَـطَشـا
لي حبيب حبُّه وسط الحــشا
لو يشا يمشي على خدى مشى
روحه روحي و روحي روحه
إن يشا شئتُ و إن شئت يشـا
حسين ابن منصور الحلاج
العصر العباسي
-------------------------------
كنت أريد أن أزف خبرا للأصدقاء الحريصين ( علي )
أنني كسرت الدف وبطّلت الغناء ( هجرت )
أنا لم أعد أستطيع أن أزفر وأشهق كإنسان يتنفس طبيعيّـ ا
لإن زفيري يعتبر دائما آهات عشق وشهيقي
شهقة فاقد مفجوع ، مفجوء ،
سأكون ( مدّب ) بلغة المغاربيين أي شيخ كتاتيب بلغة الشوام
وسأحمل كتابي وأذهب إلى المقابر لأقرأ عند رأس قبور الميتيتن
منها أكسب حسنات ومنها أهدي أجر قراءتي لهذا المتختخ
عظمه في القبر ،
ومنها يغيّر أهل الأموات نظرتهم إلي على أنني هداني الله
وأبدلت ألفاظ الشعر على لساني بذكر الله ، طالما تعتبر
مشبوهة إن كانت في مشاعر القلب الخيالية والحقيقية .
أذكر أن جبران خليل جبران قال لصديقه الحميم في شبابه :
يا ميشا ! أنا كذبة لا يصدّقها إلا هذه البئر ( وكانا يقفان على
فوَّهة بئر مهجور ) ميشا فهم ما قاله جبران ولكن
خصاة القراءة لا يُعتقد أنهم فهموا ما رواه ميشا عن
لسان جبران !
قبل أن أختم كأسي بكرع ثمالتها ،
أقول كنت أمر بابنة جيران لنا كانت واثقة أن صاحب البقالة يحبها
فكلما رأت ورقة مجعلكة ومرمية تأخذها وتعيد فردها بالمكواة
وتقرأ كلماتها على أنها أجمل غزل من الدكَّنجي
ومرة قلت لها ولكن الورقة فارغة وليس بها سوى البياض
فقالت لي : العمى بعيونك العمى
لازم يكون الخط بلون عيونك حتى تشوفه ؟
فقلت لها اقرأي لي ما هو مكتوب على الورقة
فقرأت : أحبُّكِ يا . . . وهطلت عيناها بالدموع
فأخذت منها الورقة وأخذني شعور أنها صادقة
وقربت الورقة من عينيّ ولكنهما لم تريا شيئا
فقرأتُ لها ما قرأتْه : أحبُّكِ يا . . . وأكملت من عندي
أحبكِ وكل من تقع في يدها هذه الرسالة عليها أن تقرأ
أحبُّكِ يا . . .
فعلا صوتها بالبكاء
شرّير حبيبي شرّير
يريد أن يثير غيرة كل نساء المحلّة منّي
قلت لها ولكنه كتب أنه يحب كل من تقرأ
فضحكت حتى انقلبت على خاصرتها وكاد أن يطق صرصوفها
وقالت لي يا مجنون
في واحدة غيري تعرف تقرأ رسالة بيضاء ؟
وحمدت الله يومها أنني لست مثلها جنسا وعاطفة وعقلا
لكنت قرأت مثلها
أحبُّكِ يا . . .
(ليلى إبراهيم الأحيدب 10-04-2009, 01:59 am) مساء المشيئات المتبادلة شاهر مساء البياض الذي يقول ولا يقول كان أجدر بك وأنت تفرد الورقة البيضاء للبنت الغلبانة أن تقول لها إن صاحب الدكان..كان ينوي أن يكتب لك... لكنه نسي الحروف وبعث بالبياض فقط... لأن البياض وحده هو الذي يليق بقلب عاشقة !! شاهر لقد حللت في مقامات البياض الذي يقول ولا يقول لكننا هنا نقبلك ببياضك الذي يقول لنا شاهر...يريد أن نقرأ البياض وأن نفرد دائما الأوراق المجعلكة لأنها أصدق السر تحياتي لبياض الورق المجعلك شاهر |
ليلى صباحك ورق لفَّ به ورد أبيض من الفل
أما أن تقفي مع البنت الغلبانة وتقرأي ما لا يمكن لمثلي أن يقرأه
فكأنني أقدم فاكهةً قشرُها أسمك وأوزن وأكثر من لبّها المراد أكله
و سألتِني ما هذه بيدك يا شاهر !
فقلتُ هي نوع من الفاكهة اسمها " دنهزوج " طعمها مر ولكنها
تفيد كعشبة الشيح أو القيصوم.
فقلتِ وهل الشيح فاكهة
أجبتُ أعني الطعم وليس الفصيلة
فقلتِ أنا أعرف أن الفصيلة هي لجنس النبات وليست لطعمه ،
واحتكمنا أنا وأنت للقواميس العشبي والنباتي واللغوي فلم تنجدنا
بحكمٍ قطعيٍّ ، وهكذا احتدم الاختلاف وتدخلت بيننا الأوراق المسوَّدة
وسيقت المعاني من وراء حجبها ودُعَّت إلى الظهور دعَّاً
وصارت الفوضى وعلا الصخب
والكل يطالب بتفكيكي كما لوكنت لغماً كي لا أنفجر شظايا
والشظايا لا يُتوقَّع أنّى تتطاير ومن تصيب
وتدخلت جارتنا الغلبانة وصدرها مبلل من ريقها السائل
ودموعها ، التي دخلت متضرعة وكأنها تذارع السماء
وفي حرجها أوراق مجعلكة وحيث لا يتوفر في قاعة المحكمة
مكواة فحاولت أن تمرّرها على لسانها وتفردها بحرارة
كفّها وتصرخ : في كل رسالة توجد كلمة :
أحبُّكِ يا . . . .
ولأنني بلا محام وأعزل من أي سلاح أبيض طلبتْ
المحكمة من أهل الاختصاص قارئا يجيد القراءة
فاستشاروها أي للغلبانة فاختارت صاحب الدكان
( الدكَّنجي ) الذي يقرأ لا بعينيه بل بكفتي ميزانه
الكلاسيكي فقرأ الأوراق البيضاء بأنها رزمة كانت
أربع كيلوات عند شرائها وكلما باع رطل شنينة
كان يتخيّل أنه باع زبدة فيلعق أصابعه ثم يمسحها
بورقة ويجعلكها ويرميها خارج دكّانه تاركاً للهواء
أن يكون سلّتها ، وحين دقّق القاضي أكثر بالأسئلة
قائلا له وماذا تعتقد أيها الدكَّنجي مكتوبا في بياض
الأوراق المجعلكة ، فيرد وقد تذكّر وقتها أنه باع
شنينة ولم يبع زبدة : يا سيدي القاضي
لا بد أن البياض ليس من أصل لون الورق بل يا سيدي
هو لون الشنينة الذي انطبع على الأوراق فدمغها ببياضه !
وأنا في القفص يا ليلى وكل الحشود تطالب بتعطيل زنبركات
لغمي كما تُخيِّلتُ . .
فسألني قاضي الشنينة وكنت ممنوعا أن أفتح فاهي خوفا من
انفجار داخلي يضر بمن حولي أضرارا قد تكون جسيمة
سألني من توكل أن يقرأ عنك هذه الأوراق التي اقتنعت هيئة
المحكمة رجالها ونساؤها من برهان الدكّنجي بأنها ليست
أوراقا بيضاء وما بياضها سوى بلل شنينة لا زبدة فيها
فاخترتك يا ليلى لتفنّدي معي ما رواه الدكّنجي وتقرأي
وحتى الآن المحكمة تنتظر
وأنا أنتظر
والغلبانة تنتظر
وبياض الأوراق ينتظر
فلا تدعي انتظارنا يطول
ولا حاجة لك بنظّارات فأنت تقرأين بالرؤيااااا لا بالرؤية
____________________
ذكرتني بحكاية أخرى يا ليلى
أرويها لك أيضا ولكن بعد أن :
أنام ملء عيوني عن شواردها . . .